ابن الجوزي
358
كتاب ذم الهوى
أخبرنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن ، قال : أنبأنا محمد بن العباس ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : ترى العاشق إذا رأى من يحبه أو سمع بذكره كيف يهرب دمه ويستحيل لونه ويخفق فؤاده ، وتأخذه الرّعدة ، وربما امتنع من الكلام ولم يطق ردّ الجواب ! . وقد قال بعض الشعراء : علامة من كان الهوى في فؤاده * إذا ما رأى الأحباب أن يتحيّرا ويصفرّ لون الوجه بعد احمراره * وإن حرّكوه للكلام تثوّرا أنبأنا عبد الوهاب الأنماطي ، قال : أنبأنا محمد بن أبي نصر الحميدي ، قال : أخبرني صاحب لي بالمغرب ، قال : أخبرني سليمان بن محمد المقرئ الصّقلي ، قال : كان بسوسة إفريقية رجل أديب شاعر ، وكان يهوى غلاما جميلا من غلمانها ، وكان كلفا به ، وكان الغلام يعرض عنه ، ويتجنى عليه . فبينما هو ذات ليلة منفردا يشرب وحده ، على ما أخبر عن نفسه ، وقد أخذ النبيذ منه ، إذ خطر بباله أن يأخذ قبس نار ويحرق داره عليه لتجنّيه عليه ، فقام من حينه ونهض بقبس نار ، فجعله عند باب الغلام فاشتعل نارا ، واتفق أن رآه بعض الجيران ، فبادروا النار بالإطفاء ، فلما أصبحوا نهضوا إلى القاضي فأعلموه وشكوا منه ، فأرسل إليه القاضي ، وقال له : لأيّ شيء أحرقت باب هذا ؟ . فأنشأ يقول : لمّا تمادى على بعادي * وأضرم النار في فؤادي ولم أجد من هواه بدّا * ولا معينا على السّهاد حملت نفسي على وقوفي * ببابه حملة الجواد فطار من بعض نار قلبي * أقلّ في الوصف من زنادي
--> - موفية ، وقليل مثلها » .